
في السياسة والعلاقات العامة


انتخابات 8 شتنبر 2021
أنه ثمن اختيار ارتمائهم اللا مسؤول في أحضان اصحاب السلطة بدلاً من الوفاء لمن اوصلوهم إليها
اخطاء كبيرة أرتكبت من طرف قيادة العدالة والتنمية اكاد اجزم ان من أبرزها إن لم يكن أهمها هو موقفهم ألا-أخلاقي تجاه القضية الفلسطينية والتي أفقدتهم ما تبقى من مصداقية في أعين ووجدان الناخبين بما فيهم عدد وافر من اتباعهم و حتى من مؤيدي تلك المقايضة البغيضة ،بغض النظر عن جدواها
بدأ المحللون من مغاربة وأجانب منذ الإعلان عن نتائج تلك الانتخابات ،على علة ضروف استخلاصها المشبوه اصلا في نزاهته ، يتساءلون ويبحثون عن أسباب هذا السقوط المدوي الغير مسبوق في تاريخ الانتخابات بالمغرب لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية والدي يعد الوحيد الدي وصل لدواليب الحكومة بإرادة شعبية خارج التزوير المعهود
طبعا هناك التفسيرات العامة من قبيل مزاولة السلطة لمدة طويلة ، رغم أن هذا التفسير يبقى نسبيا لأن هناك من الأمثلة وحتى في عصرنا الحاضر ما يكذب هذا التعليل.
وهناك فشله في تحقيق
وعوده الانتخابية خاصتا محاربة الفساد في حين ان ذلك امر متجذر في المجتمع نتيجة سلوك وفكر مخزني يستحيل التصدي له دون التخلي النهائي عن ذلك الفكر السلطوي المهيمن من طرف أصحاب القرار
وهناك تفسير الصراعات داخل الحزب منذ ازاحة السيد بنكيران من رئاسة الأمانة العامة وهو شيء عملت السلطة على تأجيجه عندما منعت السيد بنكيران من تشكيل الحكومة لمدة ستة شهور نتيجة عدم قبوله الامتثال لشروط القصر عن طريق السيد أخنوش ،تم أتت بالسيد العثماني الذي لم يتردد وبتغطية من قياديي الحزب، في تطبيق التعليمات بدون أدنى تحفظ ، سامحه الله
وهناك تفسير اخر قليلا ما يشير إليه المحللون وهو تحمل مسؤولية التدابير المجحفة في حق العديد من الفئات الهشة من المجتمع والتي اتخذت على أعلى مستوى بخصوص فرض الحظر « العشوائي أحيانا « في إطار محاربة انتشار الكوفيد 19.
وهناك طبعا هيمنة وزارة الداخلية على العملية برمتها دون امكانية التأكد من صدقية النتائج المعلنة من طرفها في غياب محاضر عدد من مكاتب التصويت واحيانا اتلاف حتي اوراق التصويت .
هدا بالاضافة الي غض الطرف عن شراء الاصوات وتوزيع المصالح في غياب ادنى تدخل من السلطات المعنية
لكن كل هذه الأسباب وغيرها لا تعفي السيد العثماني وقيادة هدا الحزب الدي عقدنا عليه امال كبيرة ،من مسؤوليتهم ، اد هم الذين تسببو وبنسبة ملحوظة في هذا التقهقر الغير مسبوق ، كونهم لم
ينتبهوا إلى ما كانو بصدده ،وامينهم العام ينبطح ويلبي رغبات الجهات العليا، ناسيا او متناسيا ان لولا اصوات الناخبين لما كان له ان يحلم بالوصول لذلك المنصب السامي وكدالك اعضاء قيادة حزبه.
فكيف للسيد العثماني أن يتجاهل ما آل إليه مثلا من سبقوه من وزراء أولين ، انطلاقا من المرحومين بلافرج وعبد الله إبراهيم،(حالة خاصة ) مرورا بمحمد بنهيمة و احمد عثمان وعبد اللطيف الفيلالي وبعدهم عبد الرحمان اليوسفي الذي لعب دورا رئيسيا في انتقال السلطة ولم يشفع له ذلك الموقف التاريخي من طرف أركان الحكم الجديد .فكلهم رمي بهم خارج المشهد السياسي بمجرد أن انتهت صلاحيتهم.
ضمن كل هده الاسباب والتفسيرات يبقي حسب رأيي ،ان يكون السبب الرئيسي لهذه النتائج الكارثية الغير مسبوقة لهذا الحزب الذي وصل إلى رئاسة الحكومة بإرادة شعبية ومن منطلق ديني ، هو قضية التطبيع التي انخرط فيها السيد العثماني وعدد من أعضاء الأمانة العامة بتلك الطريقة المهينة ،ضدًا على ادبياتهم وعلي مبادئهم وعلى تعهداتهم وضدا على شعور الأغلبية الساحقة من المجتمع المغربي وحتى على معظم أفراد حزبهم ومؤيديهم من مختلف الأحزاب والتيارات .
، وإلا فكيف التفسير لهذا العدد الضئيل جدا من الأصوات المعبر عنها لصالحهم في هذه الاستحقاقات حتي لو بلخ مستوى التزويراعلي مداه ، كونه لا يرقى حتى لعدد أفراد القاعدة الصلبة لحزبهم وأنصارهم التقليديين ؟
قد يقول قائل إن عملية التطبيع قبل بها عموم المغاربة ولا يمكن أن تكون ذا وقع ملموس على الناخبين وبهذه الدرجة،لكن هذا الرأي المعبر عنه من طرف بعض المحللين لا يرتكز على معطيات ملموسة ،ناتجة عن استطلاعات الرأي تؤكد أو تنفي فرضيته.
وفي غياب إمكانية استعمال تلك الأدوات العلمية لاستطلاع الراي المحظورة في بلادنا رغم ما جاء في الدستور من مقتضيات تخص حق الوصول للمعلومة ،اتوقع ان معضم المغاربة لم يقبلوا بعملية التطبيع إلا على مضض ، وإن الضمير الحي لدى الاغلبية الساحقة منهم بالنسبة للقضية الفلسطينية ضل ملتهبا عن وعي “وحتى عن دون وعي” وأنه بمجرد أن سمح لهم بالتعبير عن سخطهم وتذمرهم لم يترددوا في معاقبة من شاركوا في تلك “الخيانة” بالأخص السيد العثماني و قيادة حزبه، وبتلك الطريقة المهينة
فالسيد العثماني ،حتى لو رأى مصلحة وطنية في تلك الصفقة، كان عليه ان يتجنب التوقيع شخصيًا على تلك الوثيقة المخزية التي تقبل بمعظم “شروط اتفاقية القرن” بما فيها التخلي عن المطالبة بالقدس كعاصمة لدولة فلسطين وحتي عن مرجعية حدود1967 وحق العودة ، كان بامكانه اقتراح السيد بوريطا متلا للتوقيع بدله ،معللا موقفه كونه “طلب منه” منذ مدة وجيزة التصريح بعكس ما سيوقع عليه .وما اعتقد إطلاقا ان هذا الموقف من طرفه كان سيؤثر على إتمام تلك الصفقة المطبوخة اصلا خارج دواليب الحكومة.
فذلك « أضعف الإيمان » حيت كان بالامكان ان نقدر موقفه اذا لم يستقيل من منصبه كونه فعل ذلك خدمة للوطن” وليس تمسكا بالمقعد « .
ان هذا السقوط المدوي لهذا الحزب ذو المرجعية الإسلامية والدي توخي فيه عدد كبير من الناخبين في المرحلتين السابقتين ، على الاقل التمسك بالاخلاق والفضيلة التي لم يلمسها في معظم من سبقوه في الحكم من بعض اليساريين والعلمانيين ، إنما جاء بالدرجة الأولى نتيجة ذلك السلوك اللاأخلاقي بغض النظر عن موقفهم المؤيد أو الرافض لتلك الصفقة .
لقد كانت طعنة عار في جبين السيد العثماني أجهزت على ما تبقى له من مصداقية،حينما جيء به للتلفزيون وجعله يصرح بكل وضوح أن موقف المغرب ملكًا وحكومة وشعبًا يرفض التطبيع والإتيان به أسابيع قليلة بعد ذلك لتوقيع اتفاقية تقر بعكس ما صرح به وما صفق له المغاربة بكل حرارة
ونحن نتساءل كيف للسيد العثماني وهو الطبيب النفساني أن لا يقدر حق قدره ما يمكن أن ينتج عن تناقض مواقفه في تلك الصفقة في ضمير ووجدان المغاربة بما فيهم مؤيدي حزبه
] كيف للسيد العثماني ان ينسى او يتناسى انه وصل الى رئاسة الحكومة عبر قاعدة انتخابية صوتت لصالح حزبه كونه ذا مرجعية اسلامية وأن أقل ما هو مطلوب منه أن يحترم مبادئ هذا الدين الحنيف .فأين هو من مكارم الأخلاق عندما يقول الشيء ويفعل ضده من أجل المصلحة حسب قوله ؟ وكانه ينسلخ من عباءته الدينية كلما أراد أن يزاول العمل السياسي.ولماذا كسب ثقة الناخبين المؤيدين للتيار الإسلامي إذا كان سيفعل كالآخرين ؟
ان ما يحزنني اليوم هو انه سبق ان
تلقى السيد العثماني تحذيرات واضحة من مغبة الانصهار في منظومة الحكم بتلك الطريقة المنبطحة ،لما يعتريه من مغريات وما ينطوي عليه من مطبات، حيث سبق أن أشعر منذ سنة 2007 بما سينتظر حزبه إذا ما التحق بالحكومة ودخل في تلك المنظومة الجهنمية التي تنوي إصلاحها من الداخل فاذا بها تغريه وتسحق إرادته وتجعله يرى الشر خيرا ،يقبل بالمظالم ويغض الطرف عن التجاوزات ويقبل التعايش مع من جاء اصلالمحاربتهم أي طلائع الفساد والاحتكار والتسيد و الاغتناء الفاحش الغير مشروع .
وها هو اليوم يؤدي ثمن خضوعه لمنطق المخزن واستسلامه لإرادته
لنتصور لو أخذ السيد العتماني وكبارمسؤولي ل هذا الحزب بما اقترح عليهم انداك حتى لا يسقطوا في فخ السلطة، لوان وزرائه وكبار مسؤوليه اكتفوا بما يناسب مداخيلهم المالية العادية وارجاع الفارق من رواتبهم المغرية واللأخلاقية رغم قانونيتها إلى صندوق تضامن مع الفقراء متلا ،لو انهم ضلوا يسكنون بيوتهم و يستعملون سياراتهم في الذهاب لعملهم ،لو انهم رفضو كل تلك الامتيازات المغرية التي تساقطت عليهم ، لما تورطوا في تطبيق ما يملى عليهم من قرارات مجحفة في حق أحرار هذا الشعب المقهور على امره والدين يرمي بهم في السجون لأسباب مفتعلة دنيئة ، ولما فقد السيد بنكيران متلا أهم ما يملكه أي مصداقيته عندما قبل بتلك “المنحة الملكية” المفرطة في اعين فقراء هذا ألشعب المقهور على امره ، وكأنها من خارج ميزانية الدولة .
هو الذي لازال يتباهى بالدفاع المستميت عن القصر والذي لم ينتبه بعد إلى ما هو معروف لدى أجدادنا على مدى قرون أن « لا ثقة في المخزن » وان هذا الاخير يمكن ان ينكل باقرب خدامه ولو أثبت طاعته له ك »عبد مشرط الحناك”
وها هو حزبهم يتهاوى
وها هي تجربة الإسلام السياسي في الحكم تتآكل بسبب إخفاقها المدوي في فهم واستطلاع ما هم بصدده
وها هو السيد العثماني خارج الخدمة لا ارى له أي مستقبل سياسي يذكر ولا حتى حياة اجتماعية معتبرة
فاعتبروا يا أولي الألباب
ادريس الكتاني
سفير سابق بدولة الكويت

شهادة في حق إخوة جزائريين وحبهم للشعب المغربي
ها قد عبر مرة أخرى الاخوة الجزائريون بكل صدق وعفوية عن تعاطفهم وتضامنهم مع أشقائهم المغاربة وهم يخوضون مقابلات رياضية في إطار كأس العالم لكرة القدم 2022 التي أتقنت تنظيمه دولة قطر الشقيقة
أعتقد أن بروز هدا التعاطف المعبر عنه من طرف الأشقاء الجزائريين، رغم كل وسائل المنع التي فرضتها عليهم سلطاتهم العسكرية، جاء ليضع حدا لتلك المجهودات المتكررة التي قامت بها تلك السلطات خاصةً في السنين الاخيرة لجعلهم يكنون العداوة لاشقائهم المغاربة
اعتقد ان هذا الحدث بحد ذاته يعد أحسن شيء نتج عن ذلك التألق المبهر لفريقنا الوطني، ولإذكاء وتقوية ما يشعر به معظم المغاربة من تعاطف مع اخوانهم الجزائريين ،ارتايت ان اقدم هده الشهادة في حق اخوة جزائريين نتيجة أحداث ومواقف عشتها معهم ،والتي تجعلني اجزم أن الشعب الجزائري في معظمه يبقى أقرب المقربين من الشعب المغربي رغم ما مورس عليه من ضغوط من طرف قياداته المتتالية وما صب عليه من معلومات مغلوطة حول المغرب والمغاربة طيلة أزيد من أربعين سنة
و ما جعلني أجزم بأحقيته تلك القناعة هي مجموعة من الإشارات تلقيتها شخصيا على مراحل ولمدة فاقت تلاتين سنة ،سأسردها عليكم باختصار
الشهادة الأولى
في متم شهر نونبر سنة 1975 كنت متواجد بالعاصمة الجزائرية لتمثيل المغرب في مؤتمر وزراء التجارة الأفارقة نيابتاً عن السيد عبد اللطيف الغصاصي الوزير المكلف بالتجارة انداك والدي كنت أقوم بأعمال رئاسة ديوانه .
في تلك المرحلة كانت العلاقات المغربية الجزائرية الرسمية في اقبح حالاتها حيث كان المغرب يسجل نجاحاته المتتالية في عملية استرجاع المناطق الصحراوية الغربية إثر تنظيمه في نفس الشهر للمسيرة الخضراء والتي واكبها إطلاق حملة مسعورة ضد المغرب من طرف الرئيس بومدين وبعض كبار المسؤولين الجزائريين، ستفضي الى ابشع قرار اتخذه المرحوم بومديان في حق عشرات الآلاف من المغاربة المقيمين في الجزائر حيث سيتم طردهم في ظروف مأساوية أقل ما أقول عنها أنها لا تشرف حكام الشعب الجزائري الشقيق الذين توقعوا ردة فعل مماثلة من طرف المغرب تدفع الشارع الجزائري إلى الاصطفاف بجانب موقفهم العدائي ، لأكن المغرب فطن لهذا المقصد الدنيء ولم يعمل بمبدأ المعاملة بالمثل كما كان منتظرا منه من طرف الحكام الجزائريين .فكانت النتيجة معاكسة تماما حيث ازداد الشعب الجزائري تعاطفا مع شقيقه المغربي .
في هذه الأجواء وجدت نفسي بمفردي أعارض تدخلات الوزير الجزائري للتجارة السيد العياشي ياكر الذي حاول بصفته رئيس المؤتمر تمرير مشروع قرار يرفض أحقية المغرب في استرجاع صحرائه و كنت أعارض البت في هذا المشروع مركزا علي ضرورة تطبيق المسطرة التي يعمل بها المؤتمر حيث أن جدول الأعمال المصادق عليه لا يشير إلى أي بند يمكن من خلاله مناقشة هذا الموضوع دا الطابع السيا سي المحض..
وقد احتد النقاش إلى درجة ان وجدت نفسي مدفوعا بشعور جارف وأنا أصرح بكلام اعتبره ممثل تونس انذاك انه « اعلان حرب “موضحا لي أنه تلقى تعليمات من الرئيس بورقيبة لمساندة الموقف المغربي لكنه غير مستعد لمساندة ما جاء في ذلك التصريح .
في تلك الأجواء المكهربة ،كنت بعد انتهاء الاجتماعات الصباحية والمسائية التحق بغرفتي بأحد فنادق “نادي الصنوبر” بضواحي العاصمة وهو المركب الذي يتضمن مجموعة فنادق وفلل وقاعات الاجتماع التي احتضنت إحداها ذلك المؤتمر الوزاري .
ولثلاثة أيام متتالية وفي نفس التوقيت كان يلتحق بي بالفندق حوالي الثامنة الا بضعة دقائق مساء كل يوم ، السيد عبد العزيز خلاف حيث يطلب مني الالتحاق به ببهو الفندق . فكنت أنزل من غرفتي والتحق به اعتقادا مني أنه مكلف بإبلاغي شيء ؟
والسيد عبد العزيز خلاف كان يترأس الوفد الجزائري في ذلك المؤتمر، وهو أحد كبار الأطر في وزارة الطاقة والمعادن بصفته المدير العام للتخطيط أي أحد كبار المساعدين للوزير بلعيد عبد السلام الذي كان يعد في تلك الحقبة احد اقوي وزراء بومدين ،وسيعين السيد خلاف هذا لاحقا وزيرا للتجارة في آخر السبعينات تم وزيرا للمالية في الفترة التي سيتم فيها التقارب بين البلدين أي أواخر الثمانينات إلى أن يحتل المنصب البارز في سلم السلطة أي الكاتب العام لرئاسة الجمهورية في آخر مرحلة حكم الشاذلي بن جديد اوائل التسعينيات.
وقد سبق أن تعرفت على الأخ عبد العزيز خلاف في عدد من المؤتمرات الاقتصادية التي كنا نشارك فيها كل منا ضمن وفود بلده، ورغم تشنج المواقف في تلك الفترة العصيبة لم أتذكر يوما ان شاهدته يتدخل في تلك الحروب الكلامية التي كتيرا ما طبعت تدخلات الوفدين في كل من البلدين.
وهنا بيت القصيد.
لقد كان هدا الأخ الفاضل يطلبني في غرفتي كما سبق الذكر مساء كل يوم فالتحق به وأبادله أطراف الحديث في مواضيع عامة في انتظار معرفة الرسالة التي قد يكون مكلفا بتبليغي إياها ،فإذا به يودعني بعد مضي نصف ساعة تقريبا دون الإفصاح عن سبب زيارته . ترددت الزيارة وفي نفس التوقيت لليوم الثالث على التوالي وكان هو آخر يوم للمؤتمر، حيث بلغت حدة النقاش والتصادم في المؤتمر مستوى القذف والسب الغير مسبوق من طرف رئيس المؤتمر الوزير الجزائري عياشي ياكر ،سامحه الله .
عدت للفندق على أساس ان أغادره في اليوم الموالي لأعود للمغرب .
وإذا بالأخ عبد اللطيف يعاود زيارته لي وفي نفس التوقيت .وعند توديعه لي أصررت هذه المرة على معرفة سبب تلك الزيارات فقلت له :
الأخ عبد العزيز اشكرك على زياراتك هاته لكني لم أفهم إطلاقا ما سببها . فنحن نقضي اليوم كلة في قاعة المؤتمر، وأنت وأنا في أشد التعب والتوتر نتيجة المسار التصادمي الذي فرضه رئيس المؤتمر والذي أشهد انك لم تشارك فيه رغم ترأسك للوفد الجزائري .
وأنا أعلم كذلك أنك تقطن بالعاصمة، وان زياراتك لي تؤخر عودتك لبيتك إلى ما بعد التاسعة ليلا .
وها أنت تودعني دون أشعاري باي رسالة أو حتى ملاحظة أو تعليق فهل من تفسير؟
ابتسم الأخ عبد اللطيف وقال بكل بساطة “لا شيء لا شيء، ليس هنالك لا رسالة ولا ملاحظة ولا حتى تعليق “
فقلت فكيف أفسر إذا زياراتك هته لمدة ثلاثة أيام وفي نفس التوقيت ؟
سكت طويلا تم ردد”لا شىء لا لشيء ” وحاول تقبيلي وتوديعي ، فامتنعت ورفضت أن يودعني دون ان اعرف ما وراء تلك الزيارات وخاصة في الظروف المشحونة بالعداء بين بلدينا، وإذ به يبتسم مرة أخرى ويقول نتيجة إلحاحي “الأخ إدريس خليك من كل ما يحدث فأنا بصراحة كنت اطلب ملاقاتك قبل الثامنة مساء حتى لا تشاهد الأخبار المسائية على التلفزة .هدا قصدي لاغير” فقبلته وعانقته بحرارة وشديت على يديه مطولا وكدت أنفجر فرحا بهذه الالتفاتة من مسؤول كبير في سلم السلطة عمل تلقائيا على إتنائي من مشاهدة وسائل إعلام بلاده وهي تصب جحيم حقدها على بلادي .
وقبل المغادرة ختم كلامه معلقا على الأحداث بما مفاده “خلينا نبقاو اخوة وسيأتي يوم يزول فيه ان شاء الله أسباب هذا التوتر بين كبار مسؤولينا”.
ظل هذا المشهد عالقا بذهني لمدة طويلة حيث سيؤتر في سلوكي ويطبع تصرفاتي مستقبلا بنسبة عالية.
انه حقا لامر عجيب وله دلالاته الإيجابية على تزكية شعور التعاطف مع الشعب الجزائري .
حدث هذا في متم شهر نوفمبر 1975 كما سبق الذكر. وتريد الأقدار ان أتواجد ضمن أول وفد مغربي يصل الى الجزائر بعد اعادة ربط العلاقات بين البلدين سنة 1988 أي بعد قطيعة دامت أكثر من اثنتي عشرة سنة . وعند وصولنا لفندق الميتاف المخصص لكبار الزوار الرسميين وعند انفتاح باب المصعد في اتجاه الغرف واذا بالخارج منه هو السيد عبد العزيز خلاف .
يا للصدفة العجيبة
قبلني بحرارة دون الانتباه للوزير المغربي السيد عبد الله الازماني الذي كنت واقفا بجواره صحبة الاخ حسن ابو ايوب مدير التجارة الخارجية في تلك الفترة ،وابتسم في وجهي بلطف كعادته قائلا دون مقدمات وكأننا لم نفترق لمدة اثنتي عشرة سنة ” شفتي كيف ا السي إدريس ؟ ها ما قلناه يتحقق” تم انصرف بعد أن قدمته للسيد الوزير الذي لم يفهم فحوى ما سمع .
ولم تمض إلا أسابيع معدودة حتى تم تعيينه كأول كاتب الدولة للشؤون المغاربية في إطار اتفاقية اتحاد المغرب العربي الموقعة بمراكش في شهر فبراير سنة 1989 .
كما أرادت الأقدار ان أتواجد معه في عدة محطات أخرى بصفتي رئيس وفد الخبراء المغربي في المفاوضات مع الوفد الجزائري على الصعيدين الثنائي والمغاربي ،ومنها المشاركة في باخرة الوحدة التي نظمتها جمعية فاس سايس والتي احتضنت وفود من المجتمعات المدنية للدول الأعضاء في اتحاد المغرب العربي حيث قضينا على متنها أزيد من أسبوع وزرنا العواصم المغاربية الخمس .
كما تشرفت باستقباله ببيتي بالرباط بحضور الاخ حسن أبو ايوب، حيث فاتحنا بكل صدق ومودة عن الظروف المالية الصعبة التي تمر بها بلاده في تلك المرحلة كونه كان وزيرا للمالية قبل تعيينه في الشؤون المغاربية .
وانا أدلى بهذه الشهادة في حق احد كبار المسؤولين الجزائريين والتي توضح بجلاء ان الموقف الرسمي للجزائر في تلك المرحلة لم يكن يعبر عن راي موحد للإدارة الجزائرية ضد المغرب .
وهنا سا قول بين قوسين ان ما تكهن بحدوته السيد خلاف لم يخالف الصواب ،لانه وبمجرد عودة الثقة بين رؤساء بلدينا حتي عادت الأمور لطبيعتها الأصلية ، لدرجة ان تعليمات المرحوم الحسن التأني لنا كلاول وفد مغربي سيتوجه الي الجزائر للمشاركة في اول اجتماع مغاربي بهدف صياغة مشروع القانون الأساسي للاتحاد المغاربي « اللي اقترحوه الجزائريون أيدوه وحضيو راسكم غير من …”
الشهادة الثانية
وحتى على الصعيد الشعبي سأروي لكم ما عاينته من تعاطف في تلك الزيارة للجزائر أواخر نونبر 1975 والبلدين علي وشك الدخول في حرب مسلحة والحملة الجزائرية العدائية ضد المغرب متاججة وفي أعلى ذروتها
فقبل اجتماع الوزراء الافارقة المشار اليه اعلاه تم اجتماع تحضيري على مستوى الخبراء بنادي الصنوبر وكان أعضاء الوفد المغربي لايجروون على مغادرة الفندق ولا حتى علي التحدث مع اي جزائري نتيجة الحملة المسعورة المتداولة في كل وسائل الاعلام الرسمية،
في هذه الأجواء حضرت لبالي فكرة غريبة وهي أن آد هب للملعب الشرفي لمشاهدة مباراة لكرة القدم كوني شغوف بهذه اللعبة وخاصتا كوني اريد التأكد بنفسي مما ينسب في تلك الأجواء للشعب الجزائري من عداء للمغاربة، واصريت على ذلك رغم معارضة كل أعضاء الوفد المغربي الذين كانوا مقتنعين أنني سأعرض نفسي للتهلكة ،في حين كنت اشعر بعكس ما يتوقعون.
فطلبت من السائق للسيارة الرسمية المخصصة للوفد المغربي أن ياخدني للملعب في اليوم الموالي. فتعجب من طلبي وعاد الي ربما بعد أخذ الموافقة من مسؤوليه الأمنيين في الوقت المحدد . وبمجرد دخولي السيارة عمل السائق مباشرة علي إغلاق مدياع الراديو الذي كان يستمع إليه قبل وصولي ، فقلت له مازحا “خلينا يا اخي نسمع الراديو” فلم يرد ولم يمتثل لطلبي ،وعندما الحيت عليه سكت مطولا ثم قال “خاطيك” لم افهم قصده بالضبط كون هدا التعبير قليل التداول لدينا ، لكنني شعرت وكأنه يقول لي “خلي عليك هدا الموضوع” وسكت طول مسافة الطريق اي ما يناهز ساعة الي ان وصلنا للملعب .
كان هناك زحام خيالي امام شباك بيع التذاكر، فطلبت من هدا السائق الدي هو كذلك اغلق المذياع حتى لا اسمع شتم بلادي ، أن يأخذني لباب دخول الرسميين ، فتعجب لطلبي .وهنا ك وجدت كدلك زحمة لا تصدق والباب الكبير مقفول ومن خلفه مسؤول يرفض حتى التحدث لمخاطبيه، مكتفيا بإدخال حاملي بطاقات المدعوين .
فاقتربت منه بعد عناء وبشدة الأنفس وقلت بصوت عالي انا مغربي ضمن وفد رسمي واود مشاهدة المباراة .
اندهش كل من حولي وكذلك المسؤول خلف باب الدخول، الذي كان يرفض الجواب علي أي طلب يقدم إليه. نظر إلي بتمعن وتعجب تم قال لي ” انتظر” تم غاب تاركا الجميع يصيح في تزاحم شديد ، تم عاد مرفوقا بشخص لم يقدم لي نفسه مكتفيا بالقول ودون مقدمات أو أسئلة “تفضل “تم أخذني معه وإذا بي جالس بجانبه في المنصة الرسمية. فهمت انه احد كبار المسؤولين عن الجامعة وربما رئيسها . لم يجرؤ هدا الأخير على مكالمتي طيلة المباراة واكتفى بمرافقتي لباب المركب الرياضي مودعا ب” أهلا وسهلا”.
عندما قصصت ما حدث لأعضاء الوفد المغربي إثر عودتي للفندق لم يصدقني أحد منهم .حيث كانوا يتوقعون انه سيرمي بي في إحدى التعاريج الملتوية في الطريق الي العاصمة ، على ان تؤول كحادثة سير.
الشهادة الثالثة:
أسابيع قليلة بعد هذا المؤتمر وانا اقطن بتونس العاصمة حيث كنت اعمل كممثل للمغرب في إطار اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي التي أنشئت أواسط الستينات بهدف دراسة واقتراح الحلول الناجعة لتحقيق الاندماج الاقتصادي بين الدول الأعضاء.
كان مكتبي بالأمانة العامة بجوار ممثلي كل الدول الأعضاء ومن ضمنهم طبعا ممثل الجزائر .
ورغم ان سنة 1976 كانت اخطر سنة عرفتها العلاقات المغربية الجزائرية حيت استعملت فيها الطائرات الحربية وتم فيها القبض على ما يقارب المائة من سجناء عسكريين وكادت تلك المناوشات أن تقضي في “امكالاً ” أوائل نفس السنة إلى مواجهة مفتوحة بين البلدين .في هده الأجواء التصادمية الخطيرة كان ممثل الجزائر الأخ محمد العربي يزورني في مكتبي معبرا عن شعوره ًًكون ما يحدث بين بلدينا إنما هو نتيجة تباين في المواقف و المصالح علي مستوي القيادة .تجدر الاشارة ان الأخ محمد العربي هدا كان من كبار المسؤولين المقربين هو كدلك من المرحوم بلعيد عبد السلام واقولها بصراحة ضل طيلة تلك السنتين 1976-77 اقرب واصدق الممثلين الثلاثة الآخرين المتواجدين معي يوميا بنفس المقر.
الشهادة الرابعة
عندما عينت سفيرا بدولة الكويت في متم سنة 1996 وفي معظم اللقاءات التي يحضرها السفراء، كان السفير الجزائري متحفظا شيء ما في علاقته معي .لكنني ظللت استدعيه لكل حفل أنظمه رسميا كان أو حتى خاصا . ومع مرور الشهور توطدت علاقتنا واصبح يزورني في مكتبي لتناول الشاي . وفي إحدى الزيارات توصل بمكالمة من الجزائر بعدها اخبرني ان مخاطبة هو مدير الشؤون العربية بوزارة الخارجية .وكم كنت سعيدا عندما علمت منه ان هذا المدير والدي هو رئيسه المباشر ،اسمه عبد الحميد بوزاهر.
لم يصدق انني كنت اعرفه فعاود الاتصال به ليخبره انه بمعيتي وجعلني اتحدث معه مطولا ، تم عند استرجاع السماعة مني والتحدث اليه مجددا ، فاجأني بالقول بعد إغلاق المكالمة ” السي ادريس ليس لي علم بالعلاقة الوثيقة التي تجمعكما لهذه الدرجة .
لقد أعطاني بخصوصك تعليمات مفادها” اللي قال لك السي إدريس واللي اقترح في أي موضوع سير معاه بدون تحفظ “.حدت هذا سنة 1997 رغم أن العلاقات بين بلدينا كانت متوترة من جديد خاصة منذ مقتل المرحوم الرئيس بوضياف سنة 1992 وإغلاق الحدود سنة 1994.
للعلم فان السيد عبد الحميد هدا كان مدير مساعد بإدارة الشؤون العربية، وبهذه الصفة كان هو من ترأس أول وفد جزائري للخبراء زار المغرب إثر عودة العلاقات بين البلدين في أوائل اكتوبر 1988 ، حيت كنت ،نتيجة مسؤولياتي بوزارة الخارجية انداك مكلفا بقيادة الوفد المغربي علي مستوى الخبراء في ذلك اللقاء التاريخي.
دون الدخول في التفاصيل سأكتفي بسرد الحدث الذي له علاقة بموضوعنا.
ونحن في قاعة الاجتماع الأول بين الوفدين اتصل بي السيد رفيق الحداوي المدير العام للتعاون الدولي ، ليسألني هل الوفد الجزائري على علم بما يحدث ببلادهم .فأجبت بالنفي ، فإذا به يخبرني بما يحدث من انتفاضة شعبية عنيفة في الجزائر العاصمة وان معظم القنوات الفرنسية تنقلها على المباشر.
كان دالك يوم 6 أكتوبر 1988 حيث عرفت الجزائر أكبر انتفاضة للشعب الجزائري مند استقلاله والتي على اثرها سيوضع حدا للنظام المعمول به في الجزائر منذ الاستقلال أي نظام الحزب الواحد وهيمنة القطاع العام على كل مفاصل الدولة ،حيث ستدشن الجزائر نظام التعددية الحزبية والنقابية والتفتح على النظام الاقتصادي الحر ،الشيء الذي سيضفي في أول انتخابات تعددية لبروز وهيمنة الحركة الإسلامية وما تلاها من مآسي العشرية السوداء.
كنا في بداية اول اجتماع، طلبت استراحة للتشاور وفاتحت بمكتبي الأخ عبد الحميد فيما يحدث وتركت له طبعا حق التصرف بالنسبة لاجتماعاتنا .فطلب مني رفع الاجتماع والعودة بهم للفندق “صومعة حسان” على عجل. رافقت الوفد الي الفندق فوجدنا السيد عبد الحميد مهري سفير الجزائر في الانتظار .
وأمام تبعثر البرنامج الرسمي اقترحت عليهم بعد ان شاهدنا على قناة تلفزية فرنسية مشاهد مروعة لذلك الانفجار الجماهيري ولما واكبه من تحطيم للمنشأة وإبرام النار في مؤسسات الدولة حيث شاهد معنا مدير التجارة مقر عمله وهو يحترق ،اقترحت عليهم ان نلتقي مساء ببيتي على أن يقوموا بالاتصالات الممكنة والمشاورة لمعرفة ما يمكن فعله .
وبعد مأدبة العشاء التي نظمتها السيدة عقيلتي في ظرف قياسي وبعد التشاور بين أعضاء الوفد المتكون من اكتر من ثلاثين مسؤول في معظم القطاعات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ،اهتدي الجميع إلى ضرورة العودة في أقرب الآجال الى بلادهم .
وبما ان حركة الطيران كانت قد توقفت، اقترحت عليهم العودة بسيارات الوزارة إلى غاية الحدود البرية .وكان علي ان ادبر اللوجستيك من سائقين وبنزين في يوم عطلة السبت وغياب المسؤولين عن هده الجوانب التنظيمية .
وبعد هدوء هذه العاصفة التي كادت ان تدخل الجزائر في دوامة عدم استقرار، أخدنا من جديد تنظيم اللقاءات على الصعيدين الثنائي و المغاربي وأصبحنا نعمل كفريق واحد أنا والأخ عبد الحميد ، حيث نظمنا الاجتماع الأول للجنة المغربية الجزائرية، وكذلك اجتماعات متتالية بكل عواصم دول المغرب العربي للتشاور وبلورة مشروع مسودة القانون الأساسي للاتحاد المغاربي الذي صودق عليه في فبراير 1989 بمراكش من طرف رؤساء الدول الخمس الأعضاء .
وأنا اشهد اليوم ان التعاطف الذي عبر عنه أعضاء الوفد الجزائري والعديد من كبار المسؤولين الذين شاركوا في المفاوضات في تلك الفترة الذهبية بما فيهم السيد بلعيد بسايح وزير الخارجية وقبله احمد الطيب الإبراهيمي، ابانو لنا عن مودة صادقة وتلقائية وعن تفاعل بناء وإرادة راسخة في تفعيل برامج التعاون التي اتفق عليها على كل المستويات والتي ستتوقف مع كأمل الاسف مجددا بمجرد العودة لفقدان الثقة بين القيادة في البلدين .
فعندما التأمت الثقة بين المرحومين الشاذلي بن جديد والحسن الثاني رأينا هذا التقارب المذهل الذي أشرت اليه اعلاه ، وكذلك كان عند تعيين المرحوم بوضياف سنة 1992.
لكن بعد اغتيال هذا الأخير انعدمت الثقة من جديد وعلقت كل التفاهمات التي على اثرها انطلق ذلك المسلسل الذهبي من برامج التعاون السابقة أنذاك.
لكن العلاقة بين الشعبين لم تتأثر بتلك المواقف وها هي تتبلور في احلي تجلياتها متحدية كل العواقب ومتجاوزة لكل العراقيل معبرة عن محبتها وتعاطفها مع شقيقها الشعب المغربي الابي .

حوار حول العلاقات المغربية الكويتية
حوار مع السيد ادريس الكتاني مهندس الدولة وسفير صاحب الجلالة بدولة الكويت سابقا حول العلاقات المغربية الكويتية.
سؤال: عينتم أواخر 1996 سفيرا لحاصحب الجلالة بدولة الكويت. هل لكم ان تخبرونا عن مستوى ونوعية العلاقات بين البلدين وعن نتائج تجربتكم الخاصة في هدا البلد الشقيق؟
جواب: قبل الحديت عن العلاقات المغربية الكويتية أود أن أرفع متمنياتي لسمو الأمير معالي الشيخ الصباح، المتواجد حاليا بالولايات الأمريكية المتحدة، بالتعافي الكامل من الوعكة الصحية التي ألمت به راجيا له المزيد من الصحة والعافية وطول العمر.
تم أقول أن مقامي بدولة الكويت بين أواخر 1996 ومتم سنة 2001 كان بالنسبة لي تجربة فريدة من نوعها لم أكن أتوقع مدى تأتيرها ووقعها الإيجابي في حياتي المهنية والخاصة.
لقد كنت جد محضوض بتعييني في هدا البلد الشقيق الذي لم أكن اعلم عنه الا ما كان متداول حوله آنذاك في بعض الأوساط المغربية من تعنت شعبه وبخل مسؤوليه.
سؤال: وهل تأكد لكم هذا الشعور اثر مقامكم هناك؟
جواب: مند الشهور الأولي التي قضيتها في هذا البلد العزيز اهتديت الي عكس داك المفهوم الخاطئ والمبني علي شبهات لا علاقة لها بالواقع، حيت تأكد لي منذ تقديم أوراق اعتمادي لسمو الأمير معالي الشيخ جابر، و نتيجة زياراتي المتعددة للديوانيات، خاصة بشهر رمضان، أن هذا الشعب الأبي يستحق كل الاحترام والتقدير وأنه يكن محبة صادقة للمغرب وخاصة لصاحب الجلالة المغفور له الحسن الثاني.
سؤال: ما قصة الديوانيات هذه؟
جواب: الديوانيات هي ظاهرة فريدة تتميز بها الحياة الاجتماعية بدولة الكويت، كثيرا ما أعجبت بها كونها تتطابق مع مفهومي الخاص للعلاقات الاجتماعية من تفتح على الغير دون تمييز ودون قيود أو بروتوكول.
فهي عبارة عن زيارات لجلسات مفتوحة في أوقات محددة تتم دون دعوات ولا شروط مسبقة، تمكن أيا كان من زيارة صاحب الديوانية حتى وإن لم يكن من أقاربه أو معارفه، تماما كما كنت في حياتي الخاصة أفضل استقبال أصدقائي ومن يصطحبهم بباب مفتوح ودون شكليات.
لذلك وجدت نفسي منسجما مع مناخ يمكنني من زيارة عدد من الديوانيات يوميا وأن أتجاوب مع عشرات رجالات الدولة وأعضاء المجتمع المدني الذي كثيرا ما كنت ألتقي بهم في تلك الزيارات المفتوحة.
سؤال: باستتناء نظام الديوانيات ما هي الخصائص الرئيسية التي تميز دولة الكويت في نظرك؟
جواب: أولا وأساسا « الحرية « .
حرية الفرد وحرية الرأي. فهناك مثلا حرية الصحافة شبه مطلقة لا يضاهيها ما يوجد في اي بلد عربي اخر، وهناك حرية المواطن بصفة عامه في مناخ يضبطه القانون بنسبة عالية مقارنة مع ما يسود في المنطقة الخليجية وحتي العربية والإسلامية.
ثانيا تواجد منظومة قانونية منبتقة من برلمان حقيقي منتخب بكل شفافية في إطار دستور غير ممنوح من الحاكم كما هو الشأن في معضم دولنا العربية والإسلامية. فهو دستور تم التوافق عليه بين الأسرة الحاكمة « أسرة آل الصباح » وكبار العائلات العريقة في أوائل الستينات أي ما يطلق عليه اليوم ممثلي المجتمع المدني، وتم احترامه بنسبة ملحوظة من الطرفين دون المساس بمنطوقه ومقتضياته علي مدى اكثر من نصف قرن.
ثالثا تعايش ملحوظ بين مكونات الشعب الكويتي رغم تعددها المذهبي الديني والمجتمعي. فهو حسب رأيي المجتمع المتجانس الذي يستحق ان يكون النموذج المتميز لدول المنطقة، كونه يعطي الدليل ان لا خطر على تلك المجتمعات الخليجية من ابنائها الشيعية متلا، اذا سادت روح الحرية فيها واحترمت خصوصيات الفرد والمكونات المتنوعة لتلك المجتمعات.
رابعا احترام ملموس لفصل السلطات. فمجلس الأمة اي البرلمان يعمل بحرية، يراقب الحكومة في كل صغيرة وكبيرة اكثر مما يشرع القوانين.
والجهاز القضائي يتمتع بنسبة عالية من حرية التصرف. أما الجهاز التنفيذي فهو مضبوط في تركيبته بمعطيات الدستور، حيث يعطي لنواب الأمة مثلا حق اختيار رئيس الدولة في نضظم أميري، كون مجلس الأمة مخول لاختيار ولي العهد من العائلة الحاكمة، أي الحاكم الذي سيسير الدولة لاحقا. وهو امتياز لا يتوفر لأي برلمان في اي دولة عربية او إسلامية بنضام ملكي او أميري.
كما يسمح لأي عضو في مجلس الأمة بمساءلة أي وزير عن اي موضوع على طريقة المحاكمة البرلمانية حيث يمكن الإطاحة به من منصبه اذا لم يتوفق في إقناع أغلبية النواب بصواب اجوبته عن مضامين الموضوع المطروح.
و هنا تكمن عظمة هذا التوازن الفعلي والحقيقي بين السلطات. فبقدر ماهو مسموح للجهاز التنفيذي بصرف مقدرات الدولة المالية الهائلة في إطار الميزانية المتفق عليها بين الطرفين، بقدر ما يمكن لنواب الأمة جماعة وأفرادا من مراقبة حقيقية ومحاسبة صارمة لأعضاء الحكومة ولو كانو من أعضاء العائلة الحاكمة.
خامسا وهذا ما تفاعلت معه إيجابيا عكس ما سمعته عن بخل الكويتيين مقارنة بشعوب المنطقة، وهو ضبط وتقنين تدخل الدولة وعلى كل المستويات في تدبير الشأن المالي في إطار قانوني محدد وتحت رقابة برلمانية مشددة.
فما ينعته بعضهم بالبخل الكويتي هو في الواقع ظاهرة محمودة ومتطورة تضبط تدخل الدولة في إطار قانوني مكتوب لايسمح حتي لسمو الأمير بالتصرف في مقدرات الدولة المالية حسب هواه او ارادته كما هو سائد في معظم الدول العربية وخاصة في دول الخليج النفطية.
ولو كان الوقت يسمح بالدخول في التفاصيل لأعطيتك من الأمثلة الحية التي عاينتها بنفسي في عين المكان ما يثبت صدقية ما سبق ذكره.
لذلك تجد عادة دولة الكويت في مقدمة الترتيب العالمي للدول العربية والإسلامية وفي شتا المجالات الاجتماعية والتنظيمية. خاصة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان .
طبعا وككل نظام من صنع الإنسان فهو يبقي له نواقصه ويحتمل عدد من التغرات. لكنها بضع هفوات تبقى محتملة أمام نقط القوة الإيجابية التي اشرت اليها أعلاه.
فالمجتمع الكويتي رغم حداثته يبقي مطبوعا بشيء من القبلية تؤدي أحيانا الي تجاوزات ومحسوبية يصعب ضبطها دون الثأثير في التوازنات المطلوبة لتحقيق الاستقرار المنشود.
سؤال: ما جاء في وصفك هذا لا يعرفه عامة الناس، وحتي معظم المسؤولين والمثقفين ببلادنا وربما في معظم الدول الأخري عن هذا البلد الشقيق. والآن هل لك أن تحدثنا عن العلاقات المغربية الكويتية ؟ كيف كانت تدبر في عهد الحسن الثاني وما آلت اليه في عهد محمد السادس من آفاق ؟
جواب: دون أن أدخل في التفاصيل سأحاول تلخيص الوضعية التي وجدتها عند تعييني هناك حيت كان يسود سوء فهم بين الطرفين فيما يخص ميدان الاستثمار، وإنني توفقت منذ الشهور الأولي في توضيح المعطيات خاصة لذا الجانب المغربي مما أدي الي اعادة تدفق الاستثمارات الكويتية بالمغرب بعد أن كانت موقفة لمدة طويلة قاربت العشرين سنة نتيجة أسباب قانونية وليست سياسية كما كان يعتقد بعض كبار المسؤولين بالمغرب.
وها هي الاستثمارات الكويتية بالمغرب تصل اليوم والحمد لله لمستويات عالية في صالح الطرفين.
أما العلاقات السياسية فقد عرفت قفزة نوعية ومتميزة أوائل التسعينات نتيجة المواقف التضامنية التي عبر عنها جلالة الحسن التأني مع دولة الكويت حكومة وشعبا اثر الاجتياح العراقي.
وهنا سأنقل لأول مرة ما سمعته من سمو الأمير صباح الأحمد الصباح شهور قبل وفاة الحسن الثاني عندما استقبلني بمكتبه بصفته وزير للخارجية في موضوع يخص المغرب « بلغ لجلالة الملك ان رغباته أوامر بالنسبة لي وأنه ان طلب مني ان أعطيه هذه العين سأعطيه الاتنين » تم قال « كلامي هذا يعبر عن واقع وليس كلام استهلاكي او مجاملات كما يقال في بعض الأوساط » واختتم كلامه « بلغ جلالته أن موقفي هذا لن يتغير أبداً مادمت موجود في السلطة «
سؤال: وماذا ترتب عن هذا الموقف الإيجابي سياسيا واقتصاديا ؟
جواب سياسيا عمل سموه على دعم المواقف المغربية في شتا المجالات وخاصة في ملف الوحدة الترابية.
لقد قام مثلا وبدون تردد على تعطيل اجتماع اللجنة التحضيرية للتعاون العربي الأفريقي التي كانت ستنعقد بالكويت، وذلك بمجرد ان أبلغته برغبة جلالة الملك في إلغاء ذلك الاجتماع نظرا لارتباطه بوحدتنا الترابية.
أما الجانب الاقتصادي فقد تم تنازل دولة الكويت لصالح المغرب سنة 1999 عن قرابة مئتين مليون دولار في شكل مساهمة كويتية لتمويل عدد من المشاريع الاجتماعية والتنموية منها تشييد جامعات في عدد من المدن المغربية، وهي قيمة الفوائد التي ترتبت علي الوديعة التي لم يتمكن المغرب من تسديد دفعاتها لمدة قاربت العشرين سنة.
كما قبلت دولة الكويت باقتراحنا الهادف الي استثمار أصل الوديعة وقيمته تفوق المئتين مليون دولار بالمغرب بدلا من إعادتها للكويت بالعملة الصعبة.
وبمجرد التوصل لهذا الحل لوضعية الوديعة، اصبح بإمكان الهيأة العامة للاستتمار بصفتها الجهاز المكلف باستتمار موارد الدولة المالية، ان تقوم باستتمارات جديدة بالمغرب بعد قطيعة قاربت العشرين سنة كما سبق الذكر، وأن تخلق صندوق استتماري جديد ضخت فيه مبالغ مالية جد عالية.
سؤال: تفاعلك الإيجابي مع هذا المجتمع الكويتي أسهم اذن في توطيد العلاقات مع هذا البلد الشقيق؟
جواب: لم يسبق أن وجدت نفسي منسجما مع مجتمع عشت فيه وقد قضيت سنين متعددة بدول مختلفة، قدر ما تعايشت بمحبة خالصة مع الأخوة الكويتيين وقدر ما تبادلت الصدق والاحترام مع حكامهم.
لقد وجدت نفسي في هذا البلد المضياف أعيش في مجتمع يتمتع بالحرية في التعبير عن رأيه وعن اختيار ممثليه وعن مراقبة حكامه في حدود القانون المتفق عليه، طبعا مع بعض التجاوزات كما سبق الذكر، التي تصدر من بعض الأفراد قد يصعب تفاديها.
اذن يمكنني أن ألخص العلاقات المغربية الكويتية كما عاينتها في تلك المرحلة أي أواخر التسعينات، بتوافق تام علي مستوي القيادة وبسوء تفاهم غير مبرر علي مستوي المسيرين للشأن العام والنخب خاصة من الجانب المغربي.
اشهد اذن أن ما عاينته طيلة وجودي بالكويت في أواخر حكم الحسن الثاني وأوائل حكم محمد السادس يوكد المحبة الصادقة التي يكنها الشعب الكويتي وحكامه لشقيقه المغربي.
الرباط
١٢ سبتنبر ٢٠١٩

حول الثامن من مارس
في متل هدا اليوم (8 مارس) من سنة 1990 كنت متواجدا بمدينة الكيبيك ،وهي عاصمة الفرانكوفونية بكندا ، للقيام بزيارات ميدانية لعدد من المشاريع الممولة من طرف المنضمة الدولية الفرانكوفونية ،التي كنت آعمل بها منذ اول يناير من نفس السنة بصفتي مديراعاما لشؤونها الإدارية والمالية .
وقد تفاجئت خلال تلك الزيارات بان معضم المسؤولين عن المؤسسات المعنية كانوا من صنف النساء ،حين كان علي ان أقوم في كل زيارة بخلع اللباس الشتوي للسيدات المضيفات والمرافقات عند الوصول واعادة إلباسها لهن عند المغادرة ،حسب التقليد المعمول به في دالك البلد ، طيلة يوم تمانية مارس الدي يصادف يوم عيد المرأة العالمي ،والدي أقرته منضمة الأمم المتحدة سنة1975 .
لقد استبشرت خيرا بهدا التقليد في هدا البلد النائي ا لشديد البرودة ،تقديرًا واحترامًا للمرأة ،وقلت في نفسي كان بالأحرى علينا نحن أمة محمد ان نكون اول من يقوم بهدا التكريم كون ان نبينا ما فتيء يطالبنا بهدا حتي في آواخر توصياته وهو علي فراش الموت .
وهنا تذكرت مقولة احد المفكرين المصرين (واعتقد انه طه حسين )اتر عودته لمصر بعد قضائه عدة سنين بفرنسا في في اوايل القرن الماضي ما مفاده ، » لقد وجدت مباديء الإسلام الحقة تطبق في بلد غير مسلم «
وها أنا الاحظ اليوم في بلادي المسلمة وربما في معظم دول العالم الإسلامي، انعدام شبه كللي للاهتمام بهدا اليوم الدي تكرم فيه المرأة في معضم الدول الغربية الغير مسلمة.
مع كامل الأسف ومع اعتذاري لكل امرأة لم تكرم كما يجب في عيدها هدا.
ادريس الكتاني – سفير سابق
ملاحظة ؛ سبق ان عشت نفس الضرو ف وانا مازلت طالب عندما زرت في أوائل الستينات دولتي الدنمارك والسويد حيت لاحظت كيف كان دور المرأة في تلك المجتمعات الشمالية الأوربية يهيمن علي شتي المجالات، لكنني لم يكن لي البعد التحليلي الكافي لا ستيعاب تلك الضاهرة المميزة ومقارنتها بما يجري في بلادنا المسلمة من تبخيس لدور المرأة ان لم نقل اضطهادها وطمس حقوقها علي مدا مئات السنين .
وكم ياسفني ان استنتج من تقرير لخبراء غربيين قامو بمقارنة الدول التي تطبق فيها تعاليم الإسلام علي المستوي العالمي ، انطلاقا من 113 مبدأ إسلامي مستمد من القرآن والسنة ،كالعدل والحريات والاقتصاد وتوزيع الثروات،ان تأتي بلدان غير مسلمة في مقدمة هدا الترتيب (آيرلندا -الدنمارك -السويد ،علي الخصوص )وياتي المغرب ،بلد أمارة المؤمنين وعشرات الآلاف من المساجد والأضرحة ،في ذيل هدا الترتيب ،( 120 ) بعد ماليزيا (33) والكويت (42) وتركيا (71) وتونس(72) .
يا للغرابة
للمزيد من المعلومات حول هده الدراسة، انضر هدا الرابط

قمة العشرين للأغنياء خارج الأمم المتحدة
جريدة أخبار اليوم: عدد 3345
انعقدت أخيرا قمة افتراضية لمجموعة العشرين المكونة من 19 دولة الأكثر تقدما زائد الاتحاد الأوروبي، وهي في الواقع مجموعة الأغنياء التي تهيمن على قرابة %85 من التجارة العالمية، والتي تجتمع سنويا لتحديد وتوجيه السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية في العالم، وليس من أجل التشاور والتنسيق كما تدعي.
نتذكر انه عقدت بدكار سنة 2011 مناظرة عالمية لمنظمات غير حكومية تحث دول وشعوب العالم الثالث على مناهضة أعمال هذا التجمع المهيمن، الذي أنشي في الواقع من أجل تحييد دور مؤسسات الأمم المتحدة المختصة في التنمية عن القيام بمهامها التي أنشئت من أجلها، كما كانت تعمل وبفعالية فائقة خاصة في أواسط السبعينيات.
ففي تلك الفترة الذهبية للتعاون المتعدد الأطراف، والتي انطلقت في أعقاب حرب أكتوبر سنة 1973، وما واكبها من رفع سعر البترول والمواد الأولية المصدرة في معظمها من الدول الفقيرة أو المصنفة في طريق النمو، عملت تلك المؤسسات الأممية، التي تضمن للدول الفقيرة حق الدفاع عن مصالحها، على تنظيم لقاءات مكثفة على الصعيد العالمي تمخضت عنها فكرة إنشاء نظام اقتصادي دولي جديد»، وهو ما لم تقبل الدول المتقدمة التفاوض عليه إلا على مضض وتحت ضغط مجموعة دول عدم الانحياز التي كانت آنذاك في أوج عطائها، وكثيرا ما كانت وراء الدفع بمطالب الدول المصنفة أمميا في طريق النمو، والتي بلغ عددها في تلك الفترة 125 دولة.
وقد كانت الشرارة الأولى لذلك العمل الجبار قد انطلقت من اجتماع للدول المنتجة للمواد الأولية الأساسية، عقد كذلك في داكار سنة 1974 ، حيث شارك فيه المغرب لأنه منتج ومصدر للفوسفاط بوفد مهم كنت أحد أفراده، فكانت المطالبة بإنشاء نظام عالمي جديد من مهامه تحديد أثمان تلك المواد الأساسية بمشاركة كل الأطراف المعنية، وليس على أساس الأثمان التي تحددها أسواق لندن حسب العرض والطلب، والتي لا تأخذ بعين الاعتبار تكلفة المنتج ولا حاجياته التنموية.
فكم من اجتماعات عقدت خاصة بين سنة 1974 وسنة 1979 انطلاقا من هذا المطلب الرئيس في العديد من عواصم العالم، حيث توجد مقرات المنظمات التابعة للأمم المتحدة، كالمؤتمر الأممي للتجارة والتنمية بجنيف، والمنظمة المختصة بالتنمية الصناعية بفيينا، واللجنة الرابعة المكلفة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية بنيويورك. وكم من لقاءات التنسيق على الصعيد الجهوي نظمت بين دول العالم الثالث لتوحيد موقفها وتقديم مطالبها لمجموعات الدول المتطورة، والمصنفة حسب نظام الأمم المتحدة بمجموعة «ب».
وقد كنت في تلك الفترة الذهبية مكلفا بأعمال مدير ديوان السيد عبداللطيف الغساسي، وزير التجارة والصناعة والمعادن والطاقة والصيد والملاحة التجارية، فكنت أمثلة في معظم تلك الاجتماعات التي توالت بطريقة متسارعة بمعدل اجتماعين كل اشهر، حيث كنت أنتقل من قارة إلى أخرى للمشاركة وتمثيل المغرب في تلك الاجتماعات الوزارية المكثفة (البيرو، المكسيك، الأرجنتين، الأمم المتحدة بنيويورك، الفيليبين سري لانكا، كينيا، الزايير، السنغال، الجزائر، أديس أبابا، جنيف، فيينا…)
فكم كنا متحمسين لذلك العمل الجبار الذي من خلال كنا نطمح إلى فرض نظام دولي جديد يسمح لدولنا المنتجة للمواد الأولية بالتحكم في تحديد أثمان تلك المواد بتنسيق مع الدول المستهلكة، لكن، مع كامل الأسف، بقيت تلك المطالب دون نتيجة تذكر. وها هي مجموعة العشرين، المتكونة من الدول الغنية فقط، هي التي تتحكم في معظم القرارات في غياب تام لممثلي الدول.
سفير سابق

أخنوش يجب أن يراجع حساباته ويعيد ارباح المحروقات
إدريس غالى الكتاني، اقتصادي اشتغل في سنوات الثمانينات كرئيس المهندسين بوزارة التجارة والصناعة، وكمستشار اقتصادي وسفير سابق في الكويت.. يبدي رأيه في هذا الحوار حول إشكالية أسعار المحروقات في المغرب، ويقدم مقترحات عملية الحماية المستهلك ومواجهة جشع الشركات..
@ حاوره عبد الحق بلشكر
abelachgar@gmail.com
– منذ تحرير أثمان المحروقات ببلادنا، قبل ثلاث سنوات عرف هذا القطاع تطورات مكنت الشركات من تحقيق أرباح استثنائية وصفت بغير الأخلاقية، وبصفتك مستشارا اقتصاديا ومهندس -رئيس ، مسؤولا في قطاع المعادن والصناعة والطاقة سابقا ،كيف تتبعت ما راج حول هدا الموضوع؟ وما هي الحلول التي ترى أنها ناجعة للخروج من هده الوضعية المعقدة؟
– تابعت في وسائل الإعلام، عدة اقتراحات في الشهور الأخيرة وهناك بعض المخرجات التي طرحت في الأيام الأخيرة داخل البرلمان وهناك موقف الوزير المعني السيد لحسين الداودي الذي يناقض موقف رئيس الحكومة وأمين عام الحزب الذي ينتمي إليه، لكن معظمها تبقى بعيدة عن مطالب المستهلك الذي يشترط حمايته من طرف الدولة من تغول شركات التوزيع ويطالب في نفس الوقت و بإلحاح بإرجاعه ما أخذ منه من أرباح استثنائية قدرت بسبعة عشر مليار درهم حسب رئيس اللجنة البرلمانية السيد عبد الله بوانو وأكدها رئيس فريقه في البرلمان، دون أن تنفيه تلك الشركات بطريقة قطعية.
– لكن السيد الداودي نفى أن تكون تلك الشركات حققت أرباحا بهذا الحجم وأقر أن لا ضرورة حاليا لوضع سقف لأثمان المحروقات مكتفيا بمراقبة تطورها عبر برنامج إلكتروني؟
– تلك الأرباح الاستثنائية صربها رسميا رئيس اللجنة البرلمانية و الشركات المعنية لم تكذبها بطريقة قطعية.واضح انها تمت في ظروف مشبوهة توحي جليا بتواطؤ شركات التوزيع على حساب المستهلك ضدا على قواعد المنافسة النزيهة، وفي غياب اَي رقابة من الدولة .وعلى كل حال هذا ما أهتدي إليه المقاطعون لاقتناعهم بهذا التواطؤ على حسابهم حيث قرروا متابعة مقاطعتهم لشركة « إفريقيا » التي تهيمن على سوق توزيع المحروقات، الى أن يتأكدوا من أن أرباح شركات التوزيع تبقي في حدود المعقول، وأن يستردوا ما أخذ منهم بطريقة غير معقولةً.
و في كل الأحوال تبقى تلك الأرباح المهولة غير أخلاقية وغير إنسانية ومرفوضة اجتماعيا وحتى دينيا لأنها تزيد الأغنياء غنى فاحشا على حساب الفقراء الذين يزدادون فقرا. وذلك بطريقة تناقض أساس التعاضد الذي جاء به ديننا الحنيف.
– ما الحل المجدي في نظركم للخروج من هذه الوضعية المعقدة؟
– نظريا هناك حلول متعددة وهي تطبق جزئيا أو كليا وأحيانا بطريقة متكاملة في مناطق ودول متعددة عبر العالم، لكنني سأكتفي بالتذكير بما أجده ملائما لوضعية بلادنا في الظروف الحالية والمستقبلية:
الاقتراح الأول: هو تحرير قطاع توزيع المحروقات.
فمن الحلول الناجعة المطبقة في معظم دول العالم وخاصة العالم الحر هناك تطبيق مبدأ « حرية الإنشاء » le libre établissement كما هو الشأن بالنسبة لمعظم القطاعات الإنتاجية والتجارية والخدماتية، بحيث تكتفي الدولة بتحديد الإطار القانوني عبر قوانين ومساطر تنظيمية تأخد أحيانا شكل دفتر تحملات، يعطي لأي متدخل الحق في مزاولة المهنة في إطار الشروط المحددة دون الحاجة لأخذ رخصة مسبقة من الدولة. طبعا مع رقابة صارمة ومستمرة لتطبيق مقتضيات تلك القوانين لاحقا. وهذا يخالف نظام الرخص المعمول به في بلادنا في هذا القطاع كما هو الشأن بالنسبة لقطاع النقل مثلا، وهو نظام أصلا من مخلفات الاستعمار الفرنسي الذي كان في صالحه العمل بانتقائية حتى يحتكر قطاعات بعينها لصالح شركات ومتدخلين هو من يختارهم، وهذا هو النظام الذي يشخص أهم ركائز اقتصاد الريع، ونجده مازال هو الأساس في تنظيم قطاعات مختلفة ببلادنا مع كامل الأسف.
فلنتصور لو كان مسموحا لأي شركة مغربية، تتوفر فيها الشروط المطلوبة،أن تلج هذا القطاع المربح بمجرد احترامها لدفتر تحملات مزاولة المهنة، لارتفع عدد الشركات بما يعيق أي تواطؤ بينها و لتوزعت الأرباح بين العديد من المتدخلين بدلا من حصرها في عدد محدود من الشركات والتي هي في معظمها من اختيار المستعمر قبل الاستقلال، ولما أعطيت مائة وثلاثين محطة إضافية في المدة الاخيرة لشركة افريقيا التي كانت أصلا تهيمن على القطاع.
– هل تعتقد أن هذا هو الحل للحد من التواطؤ في هذا القطاع؟
– أعتقد أن حرية التدخل والإنشاء تبقي أنجع نظام لمحاربة الفساد ووضع حد لاقتصاد الريع الذي ما فتئ حزب السيد الداودي يطالب به. فبدلا من تحرير الاثمان كان على الدولة أن تدافع عن تحرير قطاع توزيع المحروقات من نظام الرخص كمدخل رئيسي لتحرير الاثمان في مرحلة قادمة. وبهذا كانت الدولة ستضمن التنافس الحقيقي في صالح المستهلك بدلا من أن تسمح لشركات محدودة العدد بمتابعة احتكار القطاع وتطلق لها في نفس الوقت العنان في رفع الاتمان بدون سقف ولا رقابة.
– وما هو الاقتراح الثاني؟
– هو خلق شركة وطنية لتوزيع المحروقات من طرف الدولة كأداة لضبط سعر السوق وبالتالي الحد من أي ارتفاع غير معقول قد يتم عبر تواطؤ شركات القطاع الخاص وجعلهم مرغمين على عدم تجاوزبنسب مرتفعة، الأسعار التي تحددها الدولة عبر تلك الشركة الوطنية التابعة لها. وهذا حل استعمل في مراحل سابقة وما زال مستعملا فِي دول عدة ولا مانع قانوني من تحقيقه في بلادنا وفي أقرب الآجال.
– وماذا عن سياسة تحديد الأسعار؟
– هذا هو المقترح الثالث، وهو نظام تحديد الاثمان من طرف الدولة كما كان قبل تحرير الاتمان مع الإبقاء على حذف الدعم عن طريق صندوق المقاصة وهذا هو أدنى ما يطالب به المقاطعون.
– هل نفهم أن رئيس الحكومة السابق ابن كيران لجأ لتحرير الأسعار دون ضمانات لحماية المستهلك؟ أعتقد أن الخطأ الفادح الذي أوقعوا فيه السيد ابن كيران هو انه عندما قدموا له ملف حذف دعم الدولة للمحروقات ، حيث كانت الفرصة سانحة لأن تنسحب الدولة من الدعم دون أن يشعر المستهلك بالفرق نظرا لانخفاض اثمان السوق العالمية في تلك الفترة، اغتنمو تلك الفرصة لتمرير حذف مراقبة الاثمان كذلك تحت ذريعة تحرير القطاع. وانا اجزم انه لو لم تتخلى الدولة عن دورها في تحديد الأثمنة عند خروجها من دعم تلك المواد لما تمكنت الشركات الموزعة وعلى رأسها شركة افريقيا من تحقيق تلك الأرباح الخيالية في مدة وجيزة.
– ماذا عن تسقيف الأسعار؟
– نعم يمكن إبقاء الوضع كما هو علي علته والاكتفاء بتحديد سقف الأثمان كل شهر على ضوء أثمان النفط الخام العالمية مع تحديد هامش أرباح الشركات الموزعة في حدود معقولة (وذلك اضعف الإيمان ) ، فهو إذن حل بسيط وقابل للتطبيق فِي أقرب الآجال، دون العودة إلى نظام مراقبة الاثمان، وهو في نفس الوقت يترك للشركات حرية تحديد الاثمان داخل السقف، وللتدكير فهو الحل الذي أيده السيد العثماني رئيس الحكومة والذي رفضه صديقه في الحزب السيد الداودي رغم أنه يعمل مباشرة تحت رقابته. هنا أشير إلى ضرورة ترسيخ نظام تحديد السقف بطريقة قارة عن طريق مرسوم لرئيس الحكومة وليس بمجرد منشور محدود الزمن كما جاء في كلام السيد الداودي موخرا.
– لكن حتى هذا الحل لا يحمي المستهلك في حالة ارتفاع الأثمان العالمية لمستويات عالية؟
– كنت ولا زلت أدافع عن ضرورة وضع سقف أقصى متفق عليه من طرف الدولة لا يمكن تجاوزه في كل الحالات وكيفما كانت تقلبات الأسواق العالمية للنفط ما دامت الدولة لم تعد تدعم هذه المادة الحيوية ولم تعد تحدد أثمانها.فمن البديهي أن المستهلك ليس بإمكانه أن يتحمل مواكبة ارتفاع الأثمان العالمية بدون سقف أقصى خاصة إذا تعد ي سقف الكازوال مثلا تلاتة عشرة درهم وهو احتمال وارد وقد يحدث حتى على المدى القصير،نظرا للتقلبات المنتظرة في التعاملات الدولية المتشنجة خاصتا بمنطقة الخليج العربي لذلك اقترح على الدولة أن تعلن مسبقا عن هذا السقف الأقصي الذي لا يمكن تجاوزه بالنسبة للمستهلك،على أن تغطي هي ما فوق هذا السقف الأقصى من خلال خفض الرسوم التي تقتطعها مباشرة كضريبة على استهلاك المحروقات..فإذا قبل المستهلك مرغما بتخلي الدولة عن دعم هذه المواد الأساسية بالنسبة له، فأقل ما يمكن أن يطالب به هو أن تدعمه الدولة عندما يصبح عاجزا عن مواكبة ارتفاع ثمن النفط الخام والمحروقات عالميا. لذلك اقترح على حكومة السيد العثماني أن تعلن من الان عن ذلك السقف الأقصى حتى تطمئن المستهلك وتجعله يقبل بمقترحها الهادف إلى متابعة تحرير الائتمان داخل السقف الشهري المحدد.
– من أسباب مقاطعة شركة افريقيا بصفتها المهيمنة على قطاع المحروقات هناك تحقيقها أرباحا استثنائية غير معقولة وكدالك الشأن بالنسبة للشركات الأخرى ؟ كيف يمكن استرجاع هذه الأرباح الفوق عادية؟
– الحل الذي أراه منصفا وعادلا وسهل التطبيق والذي يلبي طلب المستهلك كشرط أساسي لوضع حد للمقاطعة، هو أن تقوم كل شركات المحروقات بإعادة الأرباح الاستثنائية التي حققتها فوق أرباحها العادية منذ رفع الدعم الي المستهلك مباشرة ، ودالك عن طريق حذف درهم واحد من ثمن السقف التي تحدده الدولة شهرا بشهر، على أن تدوم هذه العملية إلى أن تغطي القيمة الإجمالية لتلك الاقتطاعات، مجموع الأرباح الاستثنائية التي حققتها تلك الشركات.بهذه الطريقة سيسترش المستهلك مباشرة،أقول مباشرتا، ما أخذ منه ، أي باسترجاع درهم عن كل لتر بالنسبة للكازوال و بقيمة مماثلة يتفق عليها بالنسبة للمحروقات الأخرى، وهو مقترح اجده عادل ومتوازن ومنصف لكل الأطراف حيت يرد الاعتبار للدولة التي استهزء بها ، ويمكن المستهلك من استرجاع ما أخذ منه ظلما في غفلة من رقابة الدولة ويسمح لشركة إفريقيا بالعودة إلى ظروف العمل العادية.وفي نفس الوقت يجعل الشركات الأخرى التي استفادت من مقاطعة أفريقيا مجبرة على أن تعيد للمستهلك ما اخدته منه بطريقة غير معقولة هي كذلك.
– اقترح حزب الأصالة والمعاصرة في مجلس النواب أن تقوم الدولة بخفض ثمن المحروقات عن طريق خفض درهم واحد للتر عن طريق اقتطاعه من الضريبة التي تفرضها على استهلاك المحروقات؟
– هذا اقتراح اقل ما أقول عنه انه مجحف في حق الدولة وفي حق المستهلك وفي حق المواطن ، فهل يعقل أن يقوم نواب الأمة، كيفما كان انتماؤهم السياسي، بمطالبة الدولة أن تقوم بإرجاع للمستهلك ما أخذته منه الشركات ظلما وعدوانا؟ فهم باقتراحهم هذا يضمنون لشركات توزيع المحروقات الاحتفاظ بما أخذوه من جيوب المغاربة في ظروف مشبوهة وفي نفس الوقت يطالبون الدولة بتعويض المستهلك نيابة عن تلك الشركات تحت ذريعة الدفاع عن المستهلك.
– بخصوص تسقيف أسعار المحروقات فهو سهل التطبيق لكن يبدو أن شركة افريقيا ربما ترفضه، لأنها ولحد الساعة تعطي انطباعا علي أنها غير معنية بالمقاطعة وبكل ما يروج حول الموضوع؟
– فعلا، واضح ان هده الشركة التي حققت من الأرباح الاستثنائية ما يجعلها ان تصمد شهور وشهور للمقاطعة ،باتت تراهن على الزمن حتى تضطر الدولة لإيجاد مخرج نيابة عنها وحتى يتم تراجع تدريجي لتلك المقاطعة، وكأنها لا تعطي اَي اعتبار لمطالب المستهلك في استرجاع ما أخذ منه في غفلة من رقابة الدولة. وكأنها لا تهتم إلا بالكسب المتوحش على حساب المواطنين، هذا في الوقت الذي قامت فيه شركة سنطرال للحليب بمراجعة ذاتية لإثمانها متجاوبة في ذلك مع مطالب المستهلك ولو جزئيا . علي السيد اخنوش مالك شركة افريقيا أن يعيد حساباته على أسس معقولة تاخد بعين الاعتباركل المعطيات الواجب إدراجها . فمن الناحية الوطنية فهو مطالب بالحفاظ وصيانة ولو جزء من سمعة أبيه المرحوم والحاج الذي كافح المستعمر في مرحلة الحماية الفرنسية دفاعا عن حقوق هذا الشعب في الحرية والعيش الكريم .فأبوه كان يسخر جزء من إمكانياته المالية لدعم عائلات الوطنيين من داخل سجنه كما روي لي المرحوم عبد الكريم الفلوس الذي قاسمه السجن .
ومن الناحية المادية اذكره بما راكمه من أموال طائلة في مدة وجيزة. هذا بالإضافة إلى الجاه والسلطة التي مكنته من حماية وتقوية شركاته المتعددة الاختصاصات.أما من الناحية السياسية فإن استمرار هذه الوضعية التي تعتبر من طرف المقاطعين تحديا لهم واستهزاء بمطالبهم، فمن المتوقع أن تضع حدا مبكرا لطموحاته السياسية التي ما زال يعلن عنها في مهرجانات متعددة والتي توحي انه لازال يهدف من خلالها إلى ترأس الحكومة القادمة. وأنا اقترح عليه كمخرج من هذه الوضعية المعقدة التي قد تتفاقم إذا لم يأخذ بزمام المبادرة، مثلما قامت به شركة سنطرال للحليب على أساس خفض الأثمان، أن يتبنى هو هذا الحل الهادف الي إرجاع للمستهلك تلك الأرباح الاستثنائية ولم لا ان يقدمه بنفسه إلى الشعب المغربي بمبادرة من طرفه للإسهام في تمكين الاستقرار لهذا البلد الأمن على أساس عادل، هذا اذا كان يريد الخير والاستقرارلهذا الوطن واذا كان يؤمن بشىء اسمه العدالة الاجتماعية.
ادريس غالي الكتاني مهندس-رئيس ومستشار اقتصادي وسفير سابقا

القانون عند الطلب
اقرأ المزيد